عبد الملك الجويني
157
نهاية المطلب في دراية المذهب
بل يكفي أن يكونَ المتعاقِدان عالمين بمبلغ الأمداد . ولو قالَ : بعتُكَ صاعاً من هذه الصّبرة ، فإن كانت معلومةَ الصيعان ، صح البيعُ . واختلف الأئمةُ في تنزيله ، فقال طوائفُ منهم : هذا بمثابة بيعِ جزءٍ من جملةٍ ، حتى لو كانت الصُّبرة مائةَ صاع ، فالبيع عُشر العُشر ، وأثر هذا أنه لو تلفَ من الصُّبرة شيءٌ يقسط على المبيع والباقي . وهذا اختيار القفال . وقال قائلون : ليس بيعُ صاعٍ محمولاً على مذهب التجزئة ، ولو تلف شيء لم يتقسَّط التالف على المبيع وغيرِه ، بل يبقى المبيعُ مَا بقِي صاعٌ ؛ فإن البائع ما أخرَج بيعَ الصاعِ إخراجَ بيعِ الجزء من الأجزاء ، والمقاصد هي المرعيّة . هذا إذا كانت الصُّبرة معلومةَ الصِّيعان . فأما إذا كانت مجهولةَ الصيعانِ ، فقال : بعتك صاعاً منها ، فهذا خارج على التردد في تنزيل بيع الصاع في صُورةِ العلم بمبلغ الصيعان ، فإن نزلنا الصاعَ على الجزء ، وبنينا عليه تقسيط التالف على المبيع والباقي ، فالبيع على هذا المسلك مع الجهل بالصّيعان باطل ؛ فإنه [ بيعُ ] ( 1 ) جزءٍ مجهولٍ ، واستدَلّ القفال عليه بما لا دفع له ، فقال : لو قُسمت الصُّبرةُ أمداداً ، ومُيّزت ، ثم قالَ مالكها بعتُكَ مُداً منها ، فالبيعُ باطل ، ولا فرق بين أن يتميز كذلكَ [ وبين أن ] ( 2 ) تجتمعَ . وهذا ( 3 ) هو القياس . ومن نزَّل بيعَ الصاع في صُورةِ العِلم على الإبهام ، لا على الجُزئية ، صحح البيعَ في المُدّ من الصُّبرة المجهولة الأمداد ، قائلاً : إن المبيع معلومٌ ، ولا ننظر إلى الجزئية ، ثم لا يقضي هذا القائلُ بتلف المبيع ، ما بقي من الصُّبرة مقدارُ المبيع . والقفالُ يقول : هذا خارجٌ عن الإشاعةِ ، والتعيينِ ، والوصْفِ ، وإحاطةِ العيان . ثم قال : لا فرق عندي بين بيع شيء مجهولِ القدر مضبوطٍ بالعِيانِ يستثنى منه مقدارٌ
--> ( 1 ) مزيدة من ( ه 2 ) . ( 2 ) في الأصل : " كذلك أو تجتمع " . ورجحنا ( ه 2 ) لما عهدناه في أسلوب إمام الحرمين من تكراره ل ( بين ) مع الاسم الظاهر ، على خلاف المشهور . ( 3 ) في ( ه 2 ) : فهذا .